فصل: تفسير الآية رقم (1)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 100‏]‏

‏{‏وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏94‏)‏ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏95‏)‏ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏97‏)‏ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ‏(‏98‏)‏ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏99‏)‏ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

ان تزل قدم بعد ثبوتها ان تقعوا في المحن والخطايا ما عندكم ينفد‏:‏ ينتهي ولا يبقى‏.‏ فاذا قرأت القرآن فاذا اردت ان تقرأ القرآن‏.‏ السلطان‏:‏ التسلط‏.‏ يتولونه‏:‏ يطيعونه‏.‏

‏{‏وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏‏.‏

يؤكذ الله تعالى على التمسّك بالعهود والأيمان، والمحافظة عليها، ويحذّر من نقضها واتخاذها سبيلاً للمكر والخديعة والتغرير بالناس، رجاء منفعة دنيوية زائلة‏.‏ وفي هذه الآيات تهديد ووعيد لمن ترك الحق الى الباطل، والهدى الى الضلال‏.‏

ثم اكد هذا التحذير بقوله‏:‏

‏{‏وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

لا تغرَّنَّكم الدنيا فتؤْثِروا منافعكم الخاصة بنقض العهود، فانّ متاعَ الدنيا قليل زائل، مهما كان كثيراً، وان ما عند الله من جزيل الأجر والثواب هو خيرٌ لكم من ذلك العَرَض القليل إن كنتم من ذوي العقول الراجحة‏.‏

‏{‏مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

ان كل ما عندكم زائل لا يبقى، وما عند الله من نعيم الآخرة خالد لا ينقطع، وسوف نكافئ الذين صبروا على مشاق التكليف بما وعدناهم، بثوابٍ احسن بكثير مما كانوا يعملون‏.‏‏.‏ ينعمون به دائما في جنات عدن‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وعاصم‏:‏ «ولنجزين» بالنون، والباقون «وليجزين» بالياء‏.‏

ثم رغّب في المثابرة على أداء الطاعات والواجبات الدينية فقال‏:‏

‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

في هذه الآيات الكريمة حَضٌّ على العمل الصالح لجميع الناس ذكورا واناثا، وان العمل الصالح مع الايمان جزاؤه طيبة في هذه الدنيا، يحيا فيها مطمئنا في رعاية الله وعند الله في الآخرة له الجزاء الأوفى، والنصيب العظيم من الأجر والثواب‏.‏ وقد كرر الله قوله‏:‏ ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ للترغيب في العمل الصالح‏.‏

‏{‏فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم‏}‏‏.‏

هنا يرشدنا الله تعالى الى ان الذي يحمي النفس من كل شر هو القرآن الكريم، فاذا اردت ايها المؤمن ان تقرأ القرآنَ فاستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، وبذلك تفوز بطيب الحياة في الدارَين‏.‏

‏{‏إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏‏.‏

إذا فعلت أيها المؤمن ما أمرك الله مخلصاً، حماك الله من الشيطان، لنه لا تأثير له على الذين آمنوا بصدق، وعلى ربهم يتوكلون، واليه بقولوبهم يتوجهون‏.‏

أما الفريق الثاني الذين يجعلون الشيطان وليَّهم، ويستسلمون له بشهواتهم ونزواتهم فهم الذين عناهم بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

يعني أنهم اشركوا بسبب طاعتهم للشيطان وليِّي امرهم، وبسبب اغوائه لهم- بالله جلّ جلاله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 105‏]‏

‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏101‏)‏ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ‏(‏102‏)‏ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ‏(‏103‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏104‏)‏ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

واذا بدلنا آية مكان آية‏:‏ غيرنا ونسخنا مكانها آية‏.‏ روح القدس‏:‏ جبريل‏.‏ يلحدون اليه‏:‏ يميلون اليه‏.‏ الأعكي‏:‏ من كان غير عربي‏.‏

‏{‏وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

واذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية اخرى ‏(‏والله اعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل، وهذا دليل على مرونة الشرع الاسلامي، فقد تستدعي الحكمة والمصلحة ان يشرع الله حكما لعباده لامد معين، فيفعل، حتى اذا انتهى الامد واقتضت المصلحة التغيير شرع غيره مكانه‏)‏ قال المشركون انما انت متقوِّل على الله تأمر بشيء ثم تنهى عنه، وان اكثرهم جاهلون لا يعلمون الحقائق‏.‏

ثم بين الله لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين ان ذلك لم يكن من عند الله وان رسول الله قد افتراه فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ‏}‏ وهذا رد واضح من الله تعالى بانه هو الذي انزل هذا القرآن من عنده تثبيتا للمؤمنين وليكون هاديا للناس الى الصواب ومبشرا بالنعيم المقيم للمسلمين‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ‏}‏‏.‏

وإنا لنلعم ان هؤلاء المشركين يقولون افتراء، ان رجلا من البش يعلم محمدا هذا الذي يتلوه عليكم‏.‏ وهذا الذي يزعمون هو عبد رومي كان يقرأ التوراة بلغة اعجمية‏.‏ فلسان الذي يقولون عنه أعجمي لا يفصح، والقرآن لسان عريبي مبين واضح، تحداكم به اكثر من مرة، ولم تستطيعوا ان تأتوا بآية من مثله‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي‏:‏ «يلحدون» بفتح الياء والحياء‏.‏ والباقون «يحلدون» بضم الياء وكسر الحاء، وهما لغتان‏:‏ لحد، وألحد‏.‏

ثم توعدهم الله على ما قالوا بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال‏:‏

‏{‏إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله لاَ يَهْدِيهِمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏.‏

ان الذين اصروا على كفرهم ولم يؤمنوا بأن هذه الآيات من عند الله لا يهديهم الله، وفي الآخرة لهم عذاب اليم، ولا يفتى الكذب على الله الا الذين كفروا وجحدوا الوهيته واولئك وحدهم هم الكاذبون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 111‏]‏

‏{‏مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏106‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏107‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ‏(‏108‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏109‏)‏ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏110‏)‏ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏111‏)‏‏}‏

اكره‏:‏ غصب بالضغط‏.‏ من شرح بالكفر صدرا‏:‏ اعتقد الكفر من طيب نفس‏.‏ لا جرم‏:‏ حقا، لاشك‏.‏

‏{‏مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان‏}‏‏.‏

ان الذين يكفرون بعد ان دخلوا الاسلام وآمنوا عليهم غضبُ الله، ويستثنى من ذلك من أُمره على الكفر بالضغط والتعذيب ونطق بالكفر ولكنه مؤمن ايماناً صادقاً، فلا لوم عليه‏.‏ وقد ان كفار قريش يعذّبون الضعفاء من المسلمين الذين ليسوا من قريش مثل عمار بن ياسر وابويه وبلال وغيرهم، ويجبرونهم على النطق بكلمة الكفر، فاذا لم يفعلوا قتلوهم، فنزلت الآية تجيز لهم النطقَ بكلمة الكفر ظاهرا ليتخلصوا من عذاب المشركين، ولا تثريبَ عليهم‏.‏

‏{‏ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏‏.‏

أما الذين كفروا طائعين مختارين، فغضب الله عليهم ولهم عذاب عظيم في الآخرة‏.‏

‏{‏ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين‏}‏‏.‏

هؤلاء الذين كفروا طوعا واصروا على لاشرك إنّما آثروا الحياة الدنيا وزينتها على نعيم الآخرة، والله لا يوفق من يشر به ويجحد آياته‏.‏

‏{‏أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأولئك هُمُ الغافلون‏}‏‏.‏

إنّ الذين اتصفوا بما تقدم لهم الّذين طبع اللهُ على قلوبهم وسمعهم وابصارهم فأغلقَها عنا لحق، فلا يؤمنون ولا يهتدون‏.‏

‏{‏لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون‏}‏‏.‏

لا شك بأنهم هم الخاسرون لكل خير في الدنيا والآخرة، ولا خسرانَ أعظمُ من غضب الله‏.‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

ثم اعلمْ ايها النبي ان ربك ناصرٌ الذين هاجروا من مكة فراراً بدينهم، وبأنفسهم من عذاب المشركين، ثم جاهدوا وصبروا على مشاق التكاليف، ان ربك من بعد ما تحمّلوا ذلك الغفورٌ لما حصل منهم، رحيم بهم فلا يؤاخذُهم على ما أُكرهوا عليه‏.‏‏.‏‏.‏ الآية كما يظهر من لفطها تعم جيمع الذين اضطهِدوا وعذَّبوا من ضعفاء المسلمين‏.‏

‏{‏يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏‏.‏

ويوم القيامة يأتي كل انسان لا يهمه الا نفسه والدافع عنها، وينسى كل شيء من مال ووالد وولد، والله تعالى يومئذ يوفّى كل نفس جزاءَ ما كسبت من اعمال، ولا يظلم ربك احدا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏112- 113‏]‏

‏{‏وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏(‏112‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏(‏113‏)‏‏}‏

رغدا‏:‏ كثيرا واسعا‏.‏ بأنعم الله‏:‏ بنعم الله‏.‏

في هاتين الآيتين مثلٌ يضربه الله لأهل مكة ولكل من يأتي بعدهم ممن يجحدون النعم وكفرون بها وهم آمنون مطمئنون ولا يعتبرون، فبين الله صفةً لقريةٍ كان اهلُها آمنين من العدو، يأتيها الرزق الكثير من كل مكان، فكفروا بنعم الله ولم يشركوه، فعاقبهم الله بالمصائب التي أحاطت بهم، وذاقوا مرارة الجوع والخوف عبد الغنى والأمن‏.‏

وقد جاءهم رسول منهم، فكذّبوه عناداً وحسدا، فأخذهم العذاب واستأصل شأفتهم، بسبب ظلمهم وكفرهم‏.‏

فهذا المثل ينطبق على اهل مكة حيث كانوا آمنين مطمئنين، فيها بيتُ الله الحرام وجميع العرب، يعظّونه ومَم دخَلَه كان آمنا لا يجرؤ احد على إيذائه، وكان الناس يصِلهم الأذى من حولهم، واهلُ مكة في حراسة البيت وحمايته آمنون مطمئنون كذلك كان رِزقهم يأتيهم من كل مكان مع الحجيج والقوافل منذ دعوة ابراهيم الخليل‏.‏

وجاءهم رسول منهم يعرفونه صادقاً أميناً بدعوهم الى ما فيه كل الخير لهم وللناس أجمعين فكذّبوه، فأذهبُ اللهُ هيبتهم، ونصر رسوله عليهم، وعادت مكة الى حظيرة الاسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 119‏]‏

‏{‏فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏114‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏115‏)‏ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ‏(‏116‏)‏ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏117‏)‏ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏118‏)‏ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏119‏)‏‏}‏

‏{‏فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالاً طَيِّباً واشكروا نِعْمَةَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏‏.‏

بعد ان بين الله حال الجاحدين بنعمة الله وكيف عاقبهم، يقول للمؤمنين‏:‏ اذا كان المشركون يكفرون بنعم الله فيبدّلها بؤساً وعذابا، فكلوا ما رزقكم الله من الحلال، واشكروه على ما أنعم عليكم ان كنتم تعبدونه بإخلاص‏.‏ وبعد ان امرهم بالاكل من الحلال الطيب بيّن ما حرم عليهم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة وفي الآية 4 من سورة المائدة بأوسع من ذلك‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ على الله الكذب‏}‏‏.‏

ولا تحللوا ان تحروما كذباً وزورا دون استناد الى دليل، لتفتروا الكذب على الله‏.‏ ثم اوعد المفترين وهددهم اشد التهديد فقال‏:‏

‏{‏إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

ان الذين يختلقون الكذب على الله من عند انفسهم لا يفوزون بيخر ولا فلاح‏.‏

ثم بين ان ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئا مذكورا اذا قيس بالضرر ا لذي يصحل منه فقال‏:‏

‏{‏مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏.‏

ان ما يحصل عليه من الفوائد بسبب جرأتهم وكذبهم شيء قليل من المنافع يتمتعون به، ولهم في الآخرة عذاب شديد‏.‏

‏{‏وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏‏.‏

في هذه الآية اشارة الى ما تقدم في سورة النساء‏:‏ ‏{‏فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 160‏]‏ وما ظلمناهم بتحريم ذلك عليهم ولكن ظلموا انفسَهم بمعصيتهم لربهم وتجوزِهم حدوده‏.‏

ثم بين الله تعالى ان الافتراء على الله وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبلها الله منهم، ويغفر لهم رحمة منه وتفضلا فقال‏:‏

‏{‏ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصلحوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ ‏[‏الانعام‏:‏ 54‏]‏، فمن تاب واصلح فان يغفر له، وباب التوبة عنده مفتوح دائما للخاطئين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 124‏]‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏120‏)‏ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏121‏)‏ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏122‏)‏ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏123‏)‏ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

أمة‏:‏ اماما، والامة‏:‏ الرجل الجامع لخصال الخير‏.‏ فانتا‏:‏ مطيعا‏.‏ حنيفا‏:‏ مائلا عن الباطل، مستقيما‏.‏ اجتباه‏:‏ اختاره واصفاه‏.‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين الى قوله‏:‏ لَمِنَ الصالحين‏}‏‏.‏

بعد ان بين ما حرم على اليهود خاصة، وكان مشركو قريش يدعون انهم على ملة ابراهيم فيما يحرموه على انفسم ويجعلونه لآلهتهم، يبين الله تعالى هنا حقيقة دين ابراهيم ثم بعد ذلك يأمر الرسول الكريم باتباعه‏.‏

ان ابراهيم كان إماماً جامعاً لكل الفضائل، مطيعاً لله متبعاً للحق، ولم يكن من المشركين، وكان موحِّداً ليس يهودياً ولا نصرانياً، شاكرا لنعمة ربه، اختاره للنبوة، وهذاه الى الحق، وحبّبه الى جميع الناس، فجميعُ أهل الاديان يعرتفون به وهو في الآخرة في زمرة الصالحين‏.‏

وبعد ان وصل ابراهيم بهذه الصفات الشريفة التي بلغت الغايةَ في علوم المرتبة- أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم باتباعه فقال‏:‏

‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏‏.‏

ثم اوحينا اليك ايها النبي باتباع ملة ابراهيم الحنيفة السمحة الخصالة من الشرك والزيغ والضلال، وذلك كرمر الله تعالى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ مِنَ المشركين‏}‏ ثم نعى الله على اليهود ما اختلفوا فيه وهو يوم السبت فقال‏:‏

‏{‏إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏‏.‏

فاما تحريم السبت فهو خاص باليهود الذين اختفوا فيه، وليس من ديانة ابراهيم، وليس كذلك من ديانة محمد السائر على نهج ابراهيم، وان ربك ليفصل بين الفريقين في الخصومة والاختلاف ويجازي كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب‏.‏

وايراد هذه العبارة بين سابق الكلام ولاحقه انذار للمشركين وتهديد لهم بما في مخلافة الانبياء من عظيم الوبال، كما ذكر مثل القرية فيما سلف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏125- 128‏]‏

‏{‏ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏125‏)‏ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ‏(‏126‏)‏ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ‏(‏128‏)‏‏}‏

ثم ختم الله تعالى هذه السورة المباركة باربع آيات فيها مثال الكمال، وجماع الاخلاق الفاضلة والتسامح والصبر، والحثّ على التحمل، ووعد بأننا اذا تحلّينا بهذه الاخلاق فانه سيكون معنا وينصرنا ويوفقنا‏.‏

ادعُ يا محمد الى دين ربك بالحكمة، والقول اللطيف بالموعظة الحسنة، وجادل من يخالفك بالتي هي احسن، وان اردتم عقاب من يعتدي عليكم ايها المسلمون فخذوا حقكم بان تعاقبوا بمثل ما فعل بكم، وتأكدوا انكم ان صبرتم وتسامحتم ولم تقتصوّوا لانفسكم فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة، لما في ذلك من ضبط النفس واستجلاب القلوب‏.‏ عاقِبوا لأجل الحق، ولا تعاقبوا لأجل انفسكم‏.‏

ثم يلتفت الخطاب الى رسول الله ‏{‏واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ‏}‏‏.‏

فلا يأخذك الحزن لان الناس كلهم لا يهتدون، فانما عليك واجب اداء الرسالة، اما الهدى والضلال فهما بيد الله، ولا يضيق صدرك من مكرهم وتدبيرهم، فالله كافيك اذاهم، وناصرك عليهم‏.‏ وقد وفى بوعده‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير واسماعيل‏:‏ «في ضيق» بكسر الضاد‏.‏ والباقون‏:‏ «في ضيق» بفتح الضاد‏.‏

ثم تأتي الختمة الحسنة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ‏}‏‏.‏

ان الله مع الذين اتقوا محارمه فاجتنبوها، والذين يحسنون في كل شيء، فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏.‏

نسأل الله تعالى ان يجعلنا منهم، وان يوفق هذه الامة الى الاحسان والتقوى والاتحاد، والحمد لله رب العالمين‏.‏

سورة الإسراء

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

سبحانه الله‏:‏ تنزيها له عن كل ما لا يليق بجلاله‏.‏ أسرى‏:‏ سار ليلا‏.‏ المسجد الحرام‏:‏ مسجد مكة‏.‏ المسجد الاقصى‏:‏ الحرم في بيت المقدس، وهو اقصى، أي بعيد بالنظر الى الحجاز‏.‏

تنزيها لله الذي اسرى بعبده محمد في جزء من الليل، ومن المسجد الحرام بمكة الى المسجد الاقصى ببيت المقدس، ذلك المسج الذي جعلنا البركة فيه وحوله لسكّانه في معايهشم وقواهم، لنُري عبدنا محمدا من أدلتنا ما فيه البرهان الكافي والدليل الساطع على وحدانيتنا وعظم قدرنا‏.‏ ان الله الذي اسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من اهل مكة، البصير بما يفعلون‏.‏

حادث الاسراء‏:‏

كان حادث الاسراء في ليلة 27 من رجب قبل الهجرة بسنة واحدة، وقد حصل الاسراء من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى بالجسد والروح فعلا، ولوم كان الاسراء بالروح فقط لما كان في ذلك شيء من العجب، ولما قامت ضجة قريش، وبادروا الى تكذيبه‏.‏

فالرواية تقول ان الرسول الكريم كان نائما في بيت انبه عمه ام هانئ، فأُسري به ورجع من ليته وقص القصة على ام هانئ، ثم قام ليخرج الى المسجد فتشبثت ام هانئ بثوبه، فقال لهاه‏:‏ مالك‏؟‏ قالت‏:‏ اخشى ان يكذّبك قومك ان أخرتهم‏:‏ قال‏:‏ وان كذّبوني‏.‏ فخرج فجلس اليه ابو جهل، فاخبره رسول الله بحديث الاسراء، فقال ابو جهل‏:‏ با معشر بني كعب بن لؤي، هلُم‏.‏ فحدّيهم‏.‏ فاستنكر القوم ذلك، فمن مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وانكارا‏.‏ وارتد ناس من المسلمين‏.‏ وسعى رجال الى ابي بكر رضي الله عنه قال‏:‏ أوَ قال ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأنا أشهد لئن قال ذلك لقد صدق‏.‏ قالوا‏:‏ فتصدّقه في ان يأتى الشام في ليلة واحدة ثم يرجع الى مكة قبل ان يصبح‏؟‏ قال‏:‏ نعم، انا أصدقه بأبعدَ من ذلك، اصدقه بخير السماء‏.‏ فسُمّيَ الصدّيق‏.‏ وكان منهم من سافر الى بيت المقدس، فطلبوا اليه وصف بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا، فقولوا أخبرْنا عن عِيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها واحوالها، وقال‏:‏ تَقْدُم يوم كذا، فكان كما قال‏.‏ وفي الليلة ذاتها كان العروج الى السماء من بيت المقدس‏.‏

بيت المقدس بناه العرب الكنعانيون، واليبوسيون منهم، على جبل صهيون نحو سنة 2500 قبل الميلاد‏.‏ وكلمة «صيهون» كنعانية أخذها اليهود وجعلوها شعاراً لهم‏.‏ والرحلة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى رحلة تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن ابارهيم واسماعيل عليهما السلام الى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم‏.‏ كما تربط من الاماكن المقدسة لديانات التوحيد، وتعيد الحق الى أهله‏.‏ والمقصود من هذه الرحلة العجيبة اعلان وراثة الرسول الاخير لمقسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه الرحلة العجيبة اعلان وراثة الرسول الاخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات واراتباط رسالته بها جميعا، فهي رحلة ترمز الى ابعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقا أوسع من ذلك‏.‏

كما أنها تتضمن معاني اكبر من المعاني القريبة التي تنكشف عنها النظرة الأولى‏.‏ وهي آية من آيات الله، تفتح القلب على آفاق عجيبة في هذا الوجود، وتكشف عن الطاقات المخبوءة في كيان هذا المخلوق البشري، والاستعدادت الدينينة التي تيهيأ بها لاستقبال فيض القدرة في اشخاص المختارين من هذا الجنس الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه‏.‏

وفي هذه الآية الكريمة يدلنا الله تعالى الى ان بيت المقدس والشام أجمع هي بلادنا وملك لنا فسارِعوا الى اخذها‏.‏ ولم تمض عشرون سنة حتى كانت في حوزة المسلمين وبقيت وستبقى الى الأبد في أيديهم مهما كانت الغمّة القائمة‏.‏

ومهما جمعت اسرائيل من قوة واسلحة ودعمها الامريكان والانكليز وغيرها فانها سوف تزول، ولسنا نشك في ان دائرة السوء ستدور عليهم جميعا، ويذهب هذا الباطل، وينمحي ذلك في الزيف والكذب وتبقى القدس عربية مسلمة، وتبقى الصخرة المشرفة، ومسجد عمر ‏{‏لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 4‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2- 3‏]‏

‏{‏وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ‏(‏2‏)‏ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

الكتاب‏:‏ التوراة وكيلا‏:‏ كفيلا تكلون اليله اموركم‏.‏

وقد أعطينا موسى التوراة، وجعلنا فيها هدايةً لبني اسرائيل، وقلنا لهم لا تتخذوا غير الله إلهاً تفوّضون اليه أموركم، فانكم أبناء نبي كريم، هو ذلك العبد الشاكر، فاقتدوا به واستقيموا كما كان مستقيما، وكونوا شاكرين مثلَه ذاكرين كما كان‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابو عمرو وحده‏:‏ «الا يتخذوا» بالياء‏.‏ والباقون بالتاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 8‏]‏

‏{‏وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏4‏)‏ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ‏(‏5‏)‏ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ‏(‏6‏)‏ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ‏(‏7‏)‏ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

وقضينا‏:‏ اخبرنا بالوحي‏.‏ لتعلن‏:‏ لتطغون‏.‏ فجاسوا خلال الديار‏:‏ دخلوها ووطئوها‏.‏ رددنا لكم الكرة‏:‏ اعطيناكم الغلبة‏.‏ اكثر نفيرا‏:‏ اكثر عدداً‏.‏ وليتبروا ما علوا تتبيرا‏:‏ وليهلكوا ويدمروا ما استولو عليه من بلادكم تدميرا‏.‏ حصيرا‏:‏ مكانا للكافرين‏.‏

بعد ان ذكر تعالى انه أكرم رسولَه محمداً عليه الصلاة والسلام بالإسراء من مكة الى بيت المقدس- ذكر هنا ما أكرمه به موسى قبله من إعطائه التوراة، وجعلها هدى لبني اسرائيل، لكنهم أعرضوا عنها وليم يعملوا بهدْيها، بل أفسدوا في الأرض‏.‏

‏{‏وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً‏}‏‏.‏

فافسدوا واعلوا علوًّا كبيرا‏.‏

‏{‏فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً‏}‏‏.‏

كانت هذه الحملة الاولى من الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 597 قبل الميلاد على مملكة يهوذا، فاستولى على القدس وسبى اليهود ومعهم ملكهم «يهوياكين» واهل بيته، واخذ جميع ما عندهم من اموال وذهب وكنوز‏.‏

ثم عاد نبوخذ نصر في حلمة ثانية سنة 586 قبل الميلاد يعين بعد احد عشر عاما واحتل القدس وخرجها واحرق الهيكل وسبى نحو 50 الف من اليهود‏.‏

وبقي اليهود في بابل الى ان جاء كورش الاخميني سنة 539 قبل الميلاد فسمح لهم بالعودة الى فلسطين، فعاد قسم وبقي عدد كبير في بابل ولم يعودوا لانهم استوطنوا واصبح لهم أملاك وتجارة، وحالوا بناء الهيكل، فاحتج السكان من غير اليهود والاقوام المجاورن من الحثيين والحوريين والعمونيين والأدوميين، ولم يتم بناء الهيكل، وبقي الى ان احتل دارا الأول ملك الفرس البلاد فسمح لهم ببناء اليهيكل سنة 515 قبل الميلاد‏.‏

فاذا اعتبرنان هذه الفترة كلها هي الأولى، تكون هي المقصودة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا‏}‏

وتكون هذه الفترة تفرة استقرار‏.‏ ثم جاء عهد اليونان حيث لاقوا اسوأ الحالات في عهد الملك السلوقي انطيوخس الرابع وذلك سنة 175 164 قبل الميلاد، اذا دمر الهيكل ونهب خزائنه واجبر اليهود على نبذ اليهودية واعتناق الوثنية اليونانية‏.‏ وبقي الصراع بين اليهود يشتد حتى اندلعت ثورة المكابيين ودام عصرهم نحو قرن وربع، الى ان جاء الرومان، وعين الملك هيرودس الأدومي فسمح لليهود باعدادة بناء الهيكل سنة 39 قبل الميلاد‏.‏ وفي سنة 66 م‏.‏ قامت ثورة عارمة شاملة من اليهود على الحكم الرماني، بعد سلسلة من المعارك سيطر تيطس الروماني على الموقف وتمكن من القضاء على اليهود سنة 70‏.‏ واوقع فهيم مذبحة مريعة وخرب المدينة، واحرق الهيكل ومره نهائيا فأُزيل من الوجود بحيث لم يعد يهتدي الناس الى موضعه، وسيق الايحاء عبيدا‏.‏

ويقول المسعودي ان عد القتلى من اليهود والمسيحيين بلغ ثلاثة ملا يين، فيكون هذا معنى قوله تعالى‏:‏

‏{‏فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً‏}‏‏.‏

هذا محصل تاريخ اليهود في فلسطين والله اعلم‏.‏

فاذا تأملنا في الآيات الكريمة نجد النصَّ الصريحَ على ان بين اسرائيل اذا حكموا وسيطروا طغوا وبغوا وافسدوا في الارض وعلَو كبيرا، واذا لم يحكموا افسدوا وسيطروا على المال، وهذا ما نراه اليوم من طغيانهم وبيغهم وتسلطهم في فلسطين‏.‏ وهم في بقية انحاء العالم ايضا مفسِدون مسيطرون، يسيِّرون الحكام والزعماء على اهوائهم وحسب ما يريدون، وينشرون الفساد في كل ارجاء العالم، وسيظلون على هذا الحال ولا يمكن ان يغيروا من طباعهم وتعاليم دينهم المحرَّف‏.‏ والله تعالى يقول‏:‏

‏{‏عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً‏}‏‏.‏

فالمفوم أن اليهود عادوا وسيعودون الى الإفساد ما دام لهم سيطرة، وفيهم بقية، فلهم جهنم تحصرهم فلا يفلت منهم احد، وتتسع لهم فلا يند عنها احد‏.‏

فالمفسرون على اختلاف طبقاتهم اعتبروا المرَّتين مضى زمانُهما، الاولى في عهد نبوخذ نصر والاخير في عهد تيطس الروماني حيث زال الهيكل وزال حكمهم‏.‏

وفي عصرنا هذا وبعد وجود كيان الهيود الجديد، كتب بعض المفكرين يقول‏:‏ ان الفترة الثانية هي هذه بوجود دولة اسرائيل ‏(‏ودار نقاشٌ طويل في الصحف، والمجالس، وشهدتُ بعض هذا النقاش في المغرب لما كنتُ هناك‏)‏ وان الله سبعث عليهم من يدمرهم‏.‏

والواقع ان وجود اسرائيل تقوّى وتمركز بتفككنا نحن العرب والمسلمين، وبعدنا عن ديننا‏.‏ ونحن الذين جعلناهم اقوياء بخلافاتنا، ومحاربة بعضنا‏.‏ وواقعهم غير صحيح، ودولتهم تعتمد على شيئين امريكا تمدها بالمال والسلامح، وضعفنا انشقاقنا وخلافاتنا، فمتى وحّدنا كلمتنا وجمعنا صفوفنا وعزمنا على استراداد مقدساتنا فان اسرائيل تزول ولا يبقى لها وجود، والله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 8‏]‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة وابو بكر وابن عامر‏:‏ «ليسوء» بالافراد، وقرأ الكسائي‏:‏ «لنسوء» بالنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 12‏]‏

‏{‏إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ‏(‏9‏)‏ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏10‏)‏ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ‏(‏11‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ هذا القرآن‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ينتقل الكلام على القرآن الذي يرشد الناس الى اقوام السبل وأسلمها في الوصول الى السعادة الحقيقة في الدنيا، ويبشر المؤمنين الصادقين العاملين، بالأجر العظيم، وينذِر الذين لا يصدّقون بالآخرة والحساب والجزاء بالعذاب الأليم في جهنم‏.‏

‏{‏وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً‏}‏‏.‏

الانسان عجول بطبعه فغالبُ الناس اذا تألموا من شيء لا يصمدون، فيسارعون بالدعاء على انفسهم وعلى اولادهم كما يدعون لأنفهسم بالخير، فالمطلوب من المؤمنين ان يضبطوا أعصابهم، ويصبروا فان المشكلة مهما عظُمت لا بدّ ان تحل، ويبعث الله الفرج‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

وجعلنا الليل والنهار بتعاقبهما وتناسقهما علامتين دالّتين على وحدانيتنا وقدرتنا، فأذهبنا آية الليل وصار ظلاما، وجعلنا النهار مضيئا يبصر فيه الناس ويتصرفون في اعمالهم ومعاشهم، ولتعلموا باختلاف الليل والنهار عدد السنين وحساب الاشهر والأيام وكل شيء لكم فيه مصلحة بّيّناهُ لكم بياناً واضحا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 15‏]‏

‏{‏وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ‏(‏13‏)‏ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ‏(‏14‏)‏ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

طائرة‏:‏ عمله‏.‏ في عنقه‏:‏ ملازم له كالقلادة‏.‏ كتابا يلقاه منشورا‏:‏ صحيفة فيها جميع اعماله‏.‏ الوزر‏:‏ الاثم والذنب‏.‏

تتحدث هذه الآيات الثلاث عن بعض المشاهد يوم القيامةن فكل انسان مسؤول عما يقول ويفعل، فجميع ما نلفظه من كلام حسنا كان او قبيحا، حمدا او سخطا- كل ذلك يُحفظ في سجل كامل‏:‏ ‏{‏مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 18‏]‏ وهذا السجل سوف يعرض امام محكمة الآخرة، ليتم حساب الانسان، فيخرج له كتابه ويلقاه منشورا لا يغادر كبيرة ولا صغيرة‏.‏ وكذلك اعمالنا مسجلة مثل الاقوال، وهكذا شأن ما يقترفه الانسان، وشأن الاحداث التي يعيشها، فان شريطاً كاملا لتلك الاحداث سوف يوضع بين يد كل فرد يوم القيامة حتى يقول الناس‏:‏ ‏{‏ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 50‏]‏ وعندما يقدم للمحكمة يقال له‏:‏ ‏{‏اقرأ كَتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً‏}‏‏.‏

من اهتدى وابتع طريق الحق نفع نفسه، ومن ضل وحاد عن الطريق فقد اضر بنفسه، ولا يتحمل انسانٌ ذنب انسان آخر، وحاش لله ان يعب احدا قبل ان يبين له الحق عن طريق الرسل الكرام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 21‏]‏

‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ‏(‏16‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏17‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ‏(‏18‏)‏ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ‏(‏19‏)‏ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ‏(‏20‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

المترفون‏:‏ المنعمون المتمردون الذين لا يبالون‏.‏ امرنا مترفيها‏:‏ بالطاعة، ففسقوا‏.‏ فدمرناها‏:‏ اهلكناها‏.‏ العاجلة‏:‏ الدنيا‏.‏ يصلاها‏:‏ يدخلها ويقاسي حرها‏.‏ مدحورا‏:‏ مطرودا‏.‏ محظورا‏:‏ ممنوعا‏.‏

‏{‏وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏‏.‏

الحياة لها قوانين لا تخلتف، وسنن لا تتبدل كما بين الله لنا ذلك، والله لا يأمر بالفسق والفحشاء، ولكن اذا كثر الفساد في مجتمع ما، وطغى كبراؤه بالانغماس في اللذات واتباع الشهوات، ولمن يوجد من يضع حدا لهذه الفوضى، ويضرب على ايديهم- نزل بلاء الله بهم وهلكت القرية ودمرت بمن فيها‏.‏

ويوضح هذا قراءةُ الحسن البصري‏:‏ أمّرنا مترفيها، بتشديد الميم‏.‏ وبذلك تكون الصورة واضحة تمام الوضوح، والناس دائما تبع للمترفين من السادة والرؤساء‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ يعقوب‏:‏ امرنا بمد الهمزة‏.‏ وقرأ حسن البصري‏:‏ «امرنا» بالتشديد وهي ليست من القراءات السبع المعتمدة‏.‏

‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً‏}‏‏.‏

وقد أهلكنا أمماً كثيرة من بعد نوحٍ، بتمردهم على انبيائهم وجحودهم آيات الله، وحسبك ايها الرسول بيان ربك إعلامه بأنّ الله عالمٌ بكل شيء، وهو الخبيرُ بذنوب عبادِه البصير بها‏.‏ وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لمن كذّبه من قومه‏.‏

ثم قسما لله عباده قسمين‏:‏ محبٍ للدنيا لا يشبع منها، ومؤمنٍ مخلص محب للآخرة‏:‏

‏{‏مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً‏}‏‏.‏

من كان يطلب لذات ومتاعها ويعمل لها ولا يؤمن بالآخرة عجلنا له في الدنيا ما نشاء من الغنى والسعة في العيش، وله في الآخرة جهنم يصلاها خالدا محتقراً مطرودا من رحمة ربك‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً‏}‏‏.‏

ومن اراد بعمله الآخرة، وعمل لها وهو مؤمن بالله وجزائه فاولئك يقبلهم بالله تعالى، وينالون عنده خير الثواب‏.‏

ثم بين الله تعالى ان عطاءه لا يخطر على بالِ احد فقال‏:‏

‏{‏كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً‏}‏‏.‏

ورزقُ الله وعطاؤه للناس اجمعين فكل من يعمل ويسعى يحصل على عطاء ربنا في هذه الدنيا، وما كان عطاء ربك ممنوعا من احد، مؤمنا كان او كافرا، ما داموا يعملون وينشطون في هذه الحياة‏.‏

‏{‏انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً‏}‏‏.‏

ان التفاوت في هذه الحياة المعيشة ملحوظ بين الناس بحسب وسائلهم وأسبابهم ونشاطهم في الاعمال‏.‏ وان تفاوتهم في الدار الآخرة درجات من تفاوتهم في الدنيا، فالآخرة هي التي تكون فيه الرفعة الحقيقية، والتفاضل الحقيقي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 25‏]‏

‏{‏لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ‏(‏22‏)‏ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ‏(‏23‏)‏ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‏(‏24‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ‏(‏25‏)‏‏}‏

مخذولا‏:‏ غير منصور‏.‏ خذله‏:‏ تخلى عنه‏.‏ قضى‏:‏ امر وأجب‏.‏ اف‏:‏ كلمة معناها التضجر‏.‏ لا تنهزهما‏:‏ لا تزجرهما بغلظة‏.‏ خفض الجناح‏:‏ التواضع والتذلل‏.‏ للأوابي‏:‏ للتوابين الراجعين الى الله‏.‏

‏{‏لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً‏}‏‏.‏

لا تُشرك بالله احداً، فتبقى ملوماً لا ناصر لك، ويكون الخذلان مكتوبا عليك‏.‏

‏{‏وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً‏}‏‏.‏

وقد امر الله تعالى بعبادته باخلاص واكد ان لا نبعد غيره، ثم بعد ذلك امرنا بالبر والطاعة بالوالدين، لانهما عماد الاسرة، وفضلهما على الانسان لا يحد، وان اكبر نعمة تصل الى الانسان هي نعمة الخالق، ثم نعمة الوالدين‏.‏

‏{‏إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً‏}‏‏.‏

واذا كبرا في السن او كان احدهما عندك في مرحلة الشيخوخة وحال الضعف في آخر العمر، فلا تتضجر منهما، ولا تتأفف، ولا تزجرهما، وقل لهما قولا جميلا ليِّنافيه احسان اليهما وتكريم لهما‏.‏ وألن لهما جانبك وتواضع لهما مع الاحترام الزائد، وادع لهما وتوجه الى الله ان يرحمهما برحمته الباقية، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما عليك‏.‏ وهما اديت لهما من خدمات فلن تستطيع ان تكافئهما‏.‏

وقد وردت احاديث كثيرة في بر الوالدين‏.‏ منها عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم اي العمل أحب الى الله ورسوله‏؟‏ قال‏:‏ الصلاة على وقتها، قلت‏:‏ ثم اي‏؟‏ قال‏:‏ بر الوالدين، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ الجهاد في سبيل الله»‏.‏

«وروى البزار عن بريدة عن ابيه‏:‏ ان جلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يطوف حاملاً امه، فقال‏:‏ هل اديتُ حقها‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولا بزفرة واحدة»‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي وخلف‏:‏ «اما يبلغان» وقرأ ابن كثير ويعقوب‏:‏ «أف» بفتح الفاء من غير تنوين‏.‏ وقرأ حفص واهل المدينة «اف» بالكسر والتنوين كما هو في المصحف، والباقون «أفِّ» بدون تنوين‏.‏

‏{‏رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً‏}‏‏.‏

ربكم ايها الناس اعلم منكم بما في ضمائركم، فإن أنتم أصلحتم نياتِكم واطعتم ربكم، فانه يتوب عليكم، ان هفَوتُم واتيتم بما يخالف اوامره ثم تبتم، لانه دائم المغفرة للتوابين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 39‏]‏

‏{‏وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ‏(‏27‏)‏ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ‏(‏28‏)‏ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ‏(‏32‏)‏ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‏(‏34‏)‏ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏35‏)‏ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ‏(‏36‏)‏ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ‏(‏37‏)‏ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

التبذير‏:‏ انفاق المال في غر موضعه‏.‏ اخوان الشياطين‏:‏ كل من خرج على الدين وسلك سلوكا مشينا‏.‏ ميسورا‏:‏ لينا‏.‏ مغلولة‏:‏ مقيدة، كناية عن البخل‏.‏ ولا تبسطها كل البسط‏:‏ لا تنفق بدون عقل، لا تبذر‏.‏ محسورا‏:‏ منقطعا‏.‏ خشية املاق‏:‏ خوفا من الفقر‏.‏ خطئا‏:‏ اثما‏.‏ فاحشة‏:‏ كل عمل قبيح فهو فاحشة‏.‏ فلا يسرف‏:‏ فلا يتجاوز الحد المشروع فيه والعفُو افضل واحسن‏.‏ بالقسطاس المستقيم‏.‏ بالميزان العادل‏.‏ ولا تقفُ ما ليس لك به علم‏:‏ لا تتدخل بما لا يعنيك‏.‏ ولا تمش في الأرض مرحا‏:‏ لا تتكبر في مشيك ولا تتعال‏.‏ لن تخرق الارض‏:‏ لن تؤثر فيها شيئا‏.‏ لن تبلغ الجبال طولا‏:‏ لن طاول الجبال‏.‏ الحكمة‏:‏ المعرفة والتعقل والتخلق بهذه الاخلاق الواردة في هذه الآيات الكريمة‏.‏

في هذه الآيات الكريمة وصايا بالاقرباء والمساكين وبالغرباء الذين انقطعوا عن السفر بسبب نفاد المال منهم، ثم تعاليم خلقية قيمة بأن ننفق ولا نبذر، لأن التبذير من الامور المكروهة وهي سبل الشيطان، ثم يقول الله تعالى‏:‏

‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏}‏‏.‏

يعني اذا سألك احد الاقرباء او المساكين او ابن السبيل شيئا من المال ولم تجد ما تعطيه، الا الدعاء له، فقل لهم قولا سهلا حسنا، وعِدْه عدة حسنة، والكلمة الطيبة صدقة، وفي الحديث‏:‏ «انكم لا تسَعون الناس باموالكم، فسعوهم باخلاقكم»‏.‏

ثم يأمرنا بالتوسط في الامور بان لا نبخل باموالنا كأننا مقيدون بالاغلال، ولا نسرف بالعطاء فنقعد فقراء محرومين، فالاعتدال والتوازن أساس كل شيء في الاسلام‏.‏

والله تعالى يَعدنا اذا اعتدلنا بأن يبسط الرزق ويسعه لمن يشاءَ من عباده، ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً‏}‏ فهو خبير بطبائعم، بصير بحوائجهم‏.‏

ثم ينص على عادة قبيحة كانت عند العرب في الجاهلية وهي قتل الاولاد خشية الفقر فيقول هنا‏:‏

‏{‏وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم‏}‏‏.‏

فينص على تحريم قتل الاولاد خوفا من الفقر، يعني ان الرجل يكون عنده المال ويكثر عنده الاولاد فيخاف من الفقر فيقتلهم‏.‏ وهذا ذنب كبير، والله تعالى قد تكفل بالرزق للتجميع‏.‏

وفي سوة الانعام يقول‏:‏ ‏{‏وَلاَ تقتلوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ‏}‏‏.‏

وهذه لها معنى غير الآية التي في سورة الاسراء، فنا يقول تعالى لا تقتلوا اولادكم لانكم فقراء لا مال عندكم نحن نرزقكم واياهم، ففي آية الاسراء قدم رزق الابناء على رزق الآباء، ‏{‏نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم‏}‏، فلا تخافوا على اموالكم‏.‏ وفي سورة الانعام قدم رزق الآباء على رزق الابناء ‏{‏نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ‏}‏ فهنا قتل الاولاد خوفا من وقوع الفقر بسببهم، فقدَّم رزق الاولاد، وفي الانعام لان الفقر حاصل وموجود بسبب فقر الآباء فقدم رزق الآباء، فلا يظن من لا معرفة له بان الآيتين فيهما تكرار‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى‏}‏‏.‏

ثم يؤكد على موضوع كان متفشيا في الجاهلية وهو الزنا، ولذلك سماه فاحشة وساء سبيلا‏.‏ وقد اكد على تحريم هذه الفاحشة عدة مرات في القرآن الكريم، ذلك لما فيها من مفاسد واختلاط الانساب، والتعدي على حرمة الغير‏.‏

ثم نص على صيانة النفس، وانه لا يجوز بحال من الاحوال قتل الانسان بدون جناية جناها وبغير حق، وقد تقدم ايضا في سورة المائدة وغيرها النص على حرمة قتل النفس الا بالحق‏.‏‏.‏‏.‏

ثم بين هنا القصاص فقال‏:‏

‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً‏}‏‏.‏

فمن قُتل مظلوما بغير حق، فقد جعلنا لمن يلي امره من اقربائه الحقَّ بالقصاص، ولا يجوز لأقرابائه ان يسرفوا في القتل بان يقلوا احدا غير القاتل كما يفعل كثير من الناس، يأخذ الثأر من اي واحد من اقرباء القاتل إن هذا حرام لا يجوز في شرع الاسلام‏.‏ والله سبحانه يقول‏:‏ انه كان منصورا، فالله ناصره بان اوجب له القصاص من القاتل‏.‏ وقد خير الاسلام اولياء القتيل بين اخذ ديته والعفو عنه او قتله، وفي الحديث الشريف‏:‏ «من قتل فتيلا فأهله بين خيرتين‏:‏ ان احبوا خذوا الدية»‏.‏

ثم اكد وكرر بالوصية على رعاية مال اليتيم‏.‏ وقد تقدم في سورة الانعام الآية 152، وتقدم الكلام عليها مستوفى، وكذلك في اول سورة النساء‏.‏

‏{‏وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً‏}‏ ان كل ما امر الله به ونهى عنه عهد الوفاء به واجب، وقد تكرر الأمر بالوفاء بالعهد في عدد من الآيات‏.‏

ثم حض على إيفاء الكيل والوزن، وان نكون امناء في المكيال والميزان وجاء ذلك في عدد من الآيات‏.‏ فالأمانة والاستقامة والعدل من قواعد الاسلام ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ اجمل عاقبةً واحسن مآلا في الآخرة، لما يترتب على ذلك من حفظ الحقوق، وعدم العش والتحلي بالامانة‏.‏

والرسول الكريم يقول‏:‏ «لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به الا مخافة الله، الا ابدله الله به في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير من ذلك»‏.‏

ثم ينص على امر هام لا يزال الى الآن موجودا في مجتمعنا، وهوالفضول، والتدخل في امر الغير، والكلام على الناس، والغيبة، ونقل الكلام بدون تثبت، فيقول‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً‏}‏ ولا تتبع ايها المرء ما لا علم به، فلا تكن فضوليا تتدخل في شئون غيرك، ولا تنقل خبرا ما لم تتأكد منه وتتثبت من صحته من قول يقال، او رواية تروى، ومن حكم شرعي او قضية اعتقادية، ولا تشهدالا بما رأت عيناك، وسمعته اذناك، ووعاه قلبك، ففي الحديث الشريف‏:‏

«اياكم والظن، فان الظن اكذب الحديث» وفي سنن ابي داود‏:‏ «بئي مطية الرجُلِ زعموا» ان الله يسأل الانسان عما فعلت جوارحه، وستسأل الجوراح نفسها عما اجترامت ‏{‏يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 89-90‏]‏‏.‏

وانها لقواعد اخلاقية عظيمة، تؤمن سلامة المجتمع، وتجعل الناس يعيشون بامن وسلام‏.‏ وهذا هو الاسلام، وهذا هو القرآن الكريم ‏{‏إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏}‏‏.‏

ثم ينهى عن خلة سيِّئُه، وصفة بغيضة يختم بها هذه الوصايا والأوامر فيقول‏:‏

‏{‏وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً‏}‏‏.‏

التكبر صفة ممقوتة، والخيلاء الكاذبة من الأدلة على نقص العقل، ولماذا يزعو الانسان وعلى من يتكبر؛ انه من طين وسيعود الى التراب، والله تعالى بيبن له بانه ضئيل ضعيف ازاء ما في هذا الكون من مخلوقات اعظم واكبر، فلو تواضع لرفع الله كما جاء في الحديث الشريف ‏{‏من تواضع لله رفعه‏}‏ فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضَعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير‏.‏

كل هذه الصفات التي نهى الله عنها سيئة مكروهة عند الله‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً‏}‏‏.‏

ان كل ما قدمنا اليك ايها الانسان هو من الحكمة التي تشتمل على التعقل والاتزان وحب المعرفة‏.‏

ثم يختمها بالتحذير من الشرك، والحفاظ على عقيدة التوحيد، وهذه بعض الحكمة التي يهدي اليها القرآن الكريم الذي اوحاه الى الرسول عليه الصلاة والسلام‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير‏:‏ «كان خِطَاءً كبيرا» بكسرا لخاء وفتح الطاء والمد‏.‏ وقرأ ابن عامر‏:‏ «خطأ» بفتح الخاء والطاء‏.‏ والباقون‏:‏ «خطئا» بكسر الخاء وسكون الطاء‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وحفص‏:‏ «القسطاس» بكسر القاف كما هو في المصحف، والباقون‏:‏ «القسطاس» بضم القاف، وهما لغتان‏.‏ وقرأ ابو بكر عن عاصم‏:‏ «بالقصطاس» بالصاد‏.‏ وقرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع‏:‏ «كان سيئةً» والبقاون‏:‏ «كان سيئهُ» مضافا الى الهاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 44‏]‏

‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏43‏)‏ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

أصفاكم‏:‏ خصكم‏.‏ صرفنا‏.‏ بينا‏.‏ ليذكروا‏:‏ ليتدبروا‏.‏ نفورا‏:‏ بعدا لا تبتغوا‏:‏ تطلبوا‏.‏ لا تفقهون‏:‏ لا تفهمون‏.‏

‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

لقد انكر الله، على القائلين ان الملائكة بنات الله وكان العرب في الجاهلية يفضلون الذكر على الانثى، ولا يزال هذا في كثير من المتجتمعات الجاهلية‏.‏ ولذلك قال‏:‏ افضلكم ربكم على نفسه فخصّكم بالبنين، واتخذ لنفسه من الملائكة بنات بزعمكم‏!‏‏!‏ والعجيب من امر هؤلاء‏:‏ انهم جعلوا الملائكة اناثا، ثم ادعوا انهن بنات الله، ثم عبدوهن، ولذلك قال ‏{‏إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً‏}‏ انكم في قولكم هذا تفترون على الله بهتانا عظيما‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً‏}‏‏.‏

لقد بينا في هذا القرآن احسن بيان واضحه من الامثال والمواعظ والاحكام ليتذكروا ويتعظوا، ولكنهم لتحجُّر قلوبهم لا يزيدهم ذلك التبيين لا نفورا وبعدا عن الحق‏.‏

‏{‏قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين لو كان مع الله آلهة خرى كما يقولون، لحاولوا الوصول الا عرش الرحمن ونازعوه الملك، ولكن هذا غير صحيح، ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏‏.‏ تنزه الله عما يقولون، وتعالى جل شأنه عما يزعمون علوا كبيرا‏.‏‏.‏‏.‏

‏{‏تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ‏}‏‏.‏

ان جميع من في هذا الكون من المخلوقات تسبح بحمده وتنزهه وتقدسه، والاكوان شاهدة بتنزهه تعالى عن مشاركته للمخلوقات في صفاتها المحدثة‏.‏

‏{‏وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً‏}‏‏.‏

ولكن لا تفهمون تسبيح هذه المخلوقات، ولا تدركون ما يقولون لأنكم محجبون عن ذلك، والله تعالى حليم غفور لمن تاب واصلح‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وابو بكر‏:‏ «يسبح» بالياء‏.‏ وقرأ ابن كثير وحفص‏:‏ «عما يقولون» بالياء‏.‏ وقرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر‏:‏ «عما تقولون» بالتاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 48‏]‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ‏(‏45‏)‏ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ‏(‏46‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ‏(‏47‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

حجابا مستورا‏:‏ مانعا ساترا‏.‏ اكنة‏:‏ جمع كنان وهي الأغطية‏.‏ وفي آذانهم وقرا‏:‏ صمما‏.‏ نفورا‏:‏ بعدا‏.‏ مسحورا‏:‏ مخبول العقل‏.‏

‏{‏وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

واذا قرأت ايها الرسول القرآن على هؤلاء المشركين جعلنا بينك وبينهم حجابا يمنع قلوبهم ان تؤمن بهذا الكلام الواضح مع انهم كانوا يتأثرون بالقرآن بفطرتهم، ولكنهم بكفرهم وعنادهم بعيدون عنه، فجعل الله بينهم وبين الرسول حجابا خفيا لا يظهر للعيون، فلا يهتدون‏.‏ ثم بين السبب في عدم فهمهم لمدارك القرآن فقال‏:‏

‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفي آذَانِهِمْ وَقْراً‏}‏‏.‏

فقد جعل الله في قلوبهم ما يشغلهم عن سمع القرآن، كان عليها اغطية من الكفر والعناد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 6‏]‏ السجدة‏.‏

‏{‏وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ وَلَّوْاْ على أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً‏}‏‏.‏

ينفرون من التوحيد وهم مشركون ويحبون ان تكذكر آلهتهم مع الله سبحانه وتعالى، ولقد انوا يتسمعون سرا الى القرآن ويدركون معانيه، ولكن كبرياءهم يدفعهم عن التسليم والاذعان‏.‏

يقول ابو جهل‏:‏ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ‏:‏ أطعموا فاطعمنا، وحملوا فحملنا، وأَعطوا فاعطينا، حتى اذا تساوينا وكنا كفرسي رهان، قالوا‏:‏ منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه‏؟‏ والله لا نؤمن به ابدا ولا نصدقه‏.‏ فلم تقصر افهامهم عن القرآن ولكنه العناد والكبرياء‏.‏

‏{‏نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً‏}‏‏.‏

نحن اعلم بالسبب الذي يدعوهم للاستماع اليك، وهو الاستهزاء بك وبالقرآن، ونحن اعلم ايضا اذ هم يتناجون، اذا يقول الظالمون إن تبعون الا رجلاً مسحورا قد ذهب عقله‏.‏

‏{‏انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً‏}‏‏.‏

انظر كيف ضربوا لك الامثال فمثّلوك بالشاعر والساحر والكاهن فضلوا في جميع ذلك، فلا يستطيعون الوصول الى الحق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 52‏]‏

‏{‏وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏49‏)‏ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ‏(‏50‏)‏ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ‏(‏51‏)‏ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

ورفاتا‏:‏ الرفات ما تكسر وبَلَى من كل شيء‏.‏ يكبر في صدروكم‏:‏ يستبعد قبوله، ذرأكم‏:‏ أوجدكم‏.‏ فيسيغضون اليك رؤوسهم‏:‏ يحركون رؤوسهم تعجبا وسخرية‏.‏

في هذه الآيات حكاية عن هؤلاء المعاندين المنكرين للحياة الآخرة، وقالوا أإذا كنا عظاما وحطاما هل نبعث في الآرخة خلقا جديدا‏!‏‏!‏ قل ايها النبي‏:‏ لو كنتم حجارة او حديدا، او خلقا اكبر مما تنكره قلوبكم لبُعثتم، فسيقولون‏:‏ من يعيدنا‏؟‏ قل‏:‏ يعيدكم الذي خلقكم اول مرة‏.‏ فسيحركون اليك رؤوسهم تعجبا، ويقولون استهزاء‏:‏ متى هذا البعث الذي يعدنا به‏؟‏ قل لهم‏:‏ عسى ان يكون قريبا، يوم يبعثكم من قبوركم، بقدرته، ولله الحمد على كل حال، وتظنون ما لبثتم الا قليلا‏.‏

ان الحياة الآخرة ذات هدف عظيم، هو المجازاة على اعمال الدنيا، خيرا كانت ا وشرا، فان للانسان ثلاثة أبعاد، يعرف من خلالها، هي‏:‏ نيته، وقوله، وعمله‏.‏ وهه الثلاثة تسجَّل باكملها، فكل حرف يخرج عن لساننا، وكل عمل يصدر من عضو من اعضائنا يجل في سجل ويمكن عرضه في اي وقت من الاوقات بكل تفاصيله‏.‏

ان الاكتشافات الجديدة قربت هذه لامور، فان «الكمبيوتر» العقل الالكتروني، يخزن ملايين المعلومات، فيكف بسجل الله القدير‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 57‏]‏

‏{‏وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ‏(‏53‏)‏ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ‏(‏54‏)‏ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ‏(‏55‏)‏ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ‏(‏56‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ‏(‏57‏)‏‏}‏

ينزغ بينهم‏:‏ يفسد بينهم‏.‏ الوكيل‏:‏ المفوض اليه الأمر‏.‏ الزبور‏:‏ الكتاب الذي انزل على داود‏.‏ الوسيلة‏:‏ القربة الى الله‏.‏ محذورا‏:‏ يخاف منه‏.‏

‏{‏وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ‏}‏‏.‏

قل ايها الرسول وعلِّم الناس ان يقولوا الكلمة الطيبة وينطقوا دائما بالحسنى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 126‏]‏ «والكلمة الطيبة صدقة» والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب‏.‏

‏{‏إِنَّ الشيطان كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً‏}‏‏.‏

ان الشيطان يدخل بينهم فيهيج فيهم المراء والشر، وربما فضى ذلك الى عناد الخصوم وازدياد فسادهم‏.‏ فان الشيطان عدو كبير لبني الانسان فاحذروه‏.‏

‏{‏رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً‏}‏‏.‏

ربكم اعلم باحوالكم ان يشأ يهِدكم للايمان قيرحمكم، وإن يشأ يعذبكم، وما جعلنا امرهم وموكولا اليك يا محمد فتجبرهم على الايمان، وانما ارسلناك بشيرا ونذيرا‏.‏

‏{‏وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات والأرض وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً‏}‏‏.‏

إن ربك اعلم باحوال من في السموات والارض جميعا، فيختار منهم لنبوته من يشاء، والانبياء ليسوا سواء، فقد فضل الله بعضهم على بعض بالمعجزات وكثرة التابعين، وفضل داود بالنبوة والكتاب الذي انزل عليه لا بالملك، لان داود كان ملكا نبيا، فالفضل الذي اوتيه بالنبوة‏.‏

‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً‏}‏‏.‏

قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يعبودن المخلوقين، ويزعمون انهم آلهة، ادعوا من شئتم منهم ان يكشفوا عنكم البلاء، فانهم لا يستطيعون ذلك، ولا يقدرون ان يحولوه عنكم اذا نزل بكم‏.‏

‏{‏أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً‏}‏‏.‏

ان هؤلاء المعبودين من دون الله، يتقربون الى الله، ويحرص كل منهم ان يكون اقرب الى الله، يطمعون في رحمته، ويخافون عذابه، ان عذاب الله مخيف يجب ان يبتعد عنه الانسان بالطاعة والتقوى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 60‏]‏

‏{‏وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏58‏)‏ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

الناقة‏:‏ مبصرة‏:‏ معجزة فيها دلالة واضحة‏.‏ قظلموا بها‏:‏ فكفروا بها‏.‏ احاط بالناس‏:‏ احاطت بهم قدرته‏.‏

‏{‏وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُوراً‏}‏‏.‏

وقد جرت سُنتنا ان نهلك كل قرية ظالمة بمن فيها، او نعذب اهلها عذابا شديدا بالقتل وغيره، فليحذر قومك ذلك، فقد جرى بذلك قضاؤنا، وسُطر ذلك في اللوح المحفوظ‏.‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون‏}‏‏.‏

كان كفار قريش يقولون‏:‏ يا محمد، تزعم انه كان قبلك انبياء منهم من سُخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإنْ سرك ان نؤمن بك ونصدقك فادع ربك ان يجعل لنا الصفا ذهبا‏.‏ فقال‏:‏ ما منعنا من ارسال الآيات التي سألوها الا تذكيب الاولين بمثلها، فان ارسلناها، وكذبوا بها، ارسلنا عليهم العذاب واستأصلناهم‏.‏

‏{‏وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ‏}‏‏.‏

وقد كنا ارسلنا الناقة الى قوم ثمود فنحروها، فكفروا، فانزلنا عليهم العذاب فأبدناهم‏.‏ ‏{‏بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً‏}‏ فالآيات التي يرسلها الله ما هي الا لتخويف الظالمين ليعتبروا بها‏.‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس‏}‏‏.‏

واذكر ايها النبي اذ اوحينا اليك ان ربك هو القادر على عباده، فهم في قبضته، فبلّغ رسالتك ولا تخف من احد فهو يعصمك منهم، فالله ناصرك ومؤيدك‏.‏

في صحيح البخاري والترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ «وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس» قال‏:‏ هي رؤيا عين أُريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسِرى به الى بيت المقدس‏.‏ «والشجرة الملعونة في القرآن» هي شجرة الزقوم «‏.‏

فقد افتن اناس من المسلمين ليلة الاسراء فارتدوا، وقامت ضجة كبرى في مكة كما مر في اول هذه السورة، وكان ابو جهل يقول‏:‏ ان محمدا توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم انها تنبت شجرة، وتعلمون ان النار ترحق الشجر‏!‏‏!‏ وهؤلاء لا يعلمون أَنَّ الحياة الأخرى تختلف عن حياتنا كل الاختلاف ولكنهم ضلوا فلم يؤمنوا وفُتنا بالاسراء، وفتنوا بالشجرة‏.‏

‏{‏وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً‏}‏ ونخوف هؤلاء الضالين، فما يزيدهم هذا التخويف الا تماديا في الطغيان والضلال‏.‏ والشجرة الملعونة ولا ذنب لها، والمعنى ملعون آكلها، وهذا التعبير كثير في كلام العرب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 65‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ‏(‏61‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏62‏)‏ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ‏(‏63‏)‏ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏64‏)‏ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

أرأيتك‏:‏ اخبرني‏.‏ لأحتنكن‏:‏ لاقودنهم كما اقود الدواب‏.‏ موفورا‏.‏ مكملا، تاما‏.‏ واستفزر من استطعت‏:‏ واستخف من استطعت‏.‏ وأَجلب عليهم‏:‏ صِح عليهم، وافرغ جهدك في جميع انواع الاغراء‏.‏ بخيلك ورجلك‏:‏ بفرسانك ومشاتك من جنودك‏.‏

تقدم الكلام على حسد ابليس لآدم، وأن العداوة قديمة ومنشؤها الحسد، ففي سورة البقرة ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 34‏]‏ وكذلك في سورة الاعراف من الآية 11 الى الآية 18، والحسد بلية قديمة، ومحنة عظيمة للخلق‏.‏

وخلاصة هذه الآيات‏:‏ واذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تعظيم وتفضيل فسجدوا الا ابليس، تكبرّ ان يسجد، لأن آدم من طين وابليس من نار، ثم طلب من الله ان يمهله الى يوم القيامة وقال ان هذا الذي كرَّمته علي، لانتقمُ من ذريته، واجعلهم يفسدون ويفسقون‏.‏ فقال الله له‏:‏ اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤهكم جميعا، وهيج من سئت منهم بصياحك واجمع عليهم اعوانك من راكب وارجل، وشاركهم في الاموال والاولاد، بحلمهم على كسبها من الطريق المحرم، وعدْهم الوعود الخلابة، وما وعود الشيطان الا كذبا وزورا وغرورا‏.‏

أما عبادي المخلصون لي، فليس لك على اغوائهم قدرة، فانا وكيلهم وكفيتهم امرك،

قراءات‏:‏

قرأ حفص وحده‏:‏ «ورجلك» بكسر الجيم، والباقون بستكينها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 69‏]‏

‏{‏رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏66‏)‏ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ‏(‏67‏)‏ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ‏(‏68‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ‏(‏69‏)‏‏}‏

يزجي‏:‏ يسوق، يجري‏.‏ الضر‏:‏ الخوف‏.‏ ضل‏:‏ غاب‏.‏ ان يخسف بكم‏:‏ يجعل البر يغور بكم‏.‏ حاصبا‏:‏ ريحا فيها حصباء وحجارة‏.‏ قاصفا من الريح‏:‏ ريحا تكسر الشجر وغيره‏.‏ التبيع‏:‏ المطالب بالثأر‏.‏

‏{‏رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك الآيات‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ربكم الذي يجري لكم السفن في البحر لتطلبوا الربح بالتجارة والحصول على ما ليس عنكم من محصول المم وصناعتها، انه دائم الرحمة بكم‏.‏ واذا خفتم الغرق وانتم في البحر ذهب عن ذاكرتكم كل ما تعبدون من دون الله، والتجأتم اليه وحده، فلما انجاكم الى البر أعرضتم وعدتم الى ما كنتم عليه، ان شأن الانسان الكفر وجحد النعمة‏.‏ وقد مر نظير هذا في سورة يونس الآية 22 وما بعدها‏.‏

افأمنتم وقد نجوتم الى البر ان يخسفه بكم فتغرور بكم الارض، او يرسل عليكم ريحا تفذقكم بالحصباء ثم لا تجدون من يحميكم منه‏!‏‏؟‏ ام أمنتم ان يعيدكم في البحر مرة اخرى، فيرسل عليكم ريحا لا تمر على شيء الا قصفته، فيغرقكم بسبب كفركم وجحودكم نعمة الله حين انجاكم من قبل، ثم لا تجدون من يطالبنا بما فعلنا بكم‏!‏‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ ابن كثير وابو عمرو‏:‏ «ان نخسف بكم، او نرسل عليكم، ام امنتم ان نعيدكم، فنرسل عليكم» بالنون في هذه جميعا، والباقون بالياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‏(‏70‏)‏ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ‏(‏71‏)‏ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏72‏)‏‏}‏

بإمامهم‏:‏ بكتابهم الذي فيه اعمال‏.‏ وله معنى آخر‏:‏ بامامهم‏:‏ صاحب رسالتهم كأن يقول ادعوا اصحاب ابراهيم، اعوا ابتاع موسى الخ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الفتيل‏:‏ اصل الفتيل‏:‏ الخيط الضئيل الذي على نواة التمر، والمقصود به هنا الشيء الذي لا قيمة له‏.‏ أعمى‏:‏ اعمى البصيرة‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ الآية‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

ولقد كرمنا بني آدم بحسن الصورة، واعتدال القوام، وبالمواهب العقلية والنطق والتفكير، وحملناهم برا وبحرا وجوا ولا نجدري ما يستجد من مواصلات في المستقبل لان الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏ وزرقناهم من الطيبات المستلذة، وفضلناهم على كثير من المخلوقات‏.‏

‏{‏يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ‏}‏ اذكر ايها النبي لقومك يوم ندعو كل قوم باسم زعيمهم فيقال يا اصحاب موسى‏.‏ يا أهل القرآن، ليتسلموا كتب اعمالهم، فمن أُعطيَ كتابه بيمينه وهم السعداء فأولئك يقرأون كتابهم مسرورين، ولا ينقص من اجرهم شيء‏.‏

‏{‏وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً‏}‏‏.‏

ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب والبصيرة فسيبقى على حالته ويكون في الآخرة اكثر عمى وابعد مدى في الضلال، وابعد عن سبيل الخير‏.‏

قراءات‏:‏

قرأ حمزة والكسائي وابو بكر‏:‏ اعْمِي بالامالة‏.‏